فخر الدين الرازي

145

تفسير الرازي

أطنب في تعديد أفعالهم المنكرة وأقوالهم القبيحة امتلأ قلبه غيظاً وغضباً عليهم فختم كلامه بأن دعا عليهم . السؤال الثاني : إنما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله في أن يزيد في ضلالهم ؟ الجواب : من وجهين : الأول : لعله ليس المراد الضلال في أمر الدين ، بل الضلال في أمر دنياهم ، وفي ترويج مكرهم وحيلهم الثاني : الضلال العذاب لقوله : * ( إن المجرمين في ضلال وسعر ) * ( القمر : 47 ) . قوله تعالى * ( مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً ) * . ثم إنه تعالى لما حكى كلام نوح عليه السلام قال بعده : * ( مما خطاياهم أغرقوا فأدخلوا ناراً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : ( ما ) صلة كقوله : * ( فبما نقضهم ) * ( النساء : 155 ) * ( فبما رحمة ) * ( النساء : 159 ) والمعنى من خطاياهم أي من أجلها وبسببها ، وقرأ ابن مسعود : * ( من خطيئاتهم ما أغرقوا ) * فأخر كلمة ما ، وعلى هذه القراءة لا تكون ما صلة زائدة لأن ما مع ما بعده في تقرير المصدر . واعلم أن تقديم قوله : * ( مما خطاياهم ) * لبيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان ( فإدخالهم النار ) إلا من أجل خطيئاتهم ، فمن قال من المنجمين : إن ذلك إنما كان بسبب أنه انقضى في ذلك الوقت نصف الدور الأعظم ، وما يجري مجرى هذه الكلمات كان مكذباً لصريح هذه الآية فيجب تكفيره . المسألة الثانية : قرىء * ( خطيئاتهم ) * بالهمزة وخطياتهم بقلبها ياء وإدغامها و * ( خطاياهم ) * و * ( خطيئتهم ) * بالتوحيد على إرادة الجنس ، ويجوز أن يراد به الكفر . واعلم أن الخطايا والخطيئات كلاهما جمع خطيئة ، إلا أن الأول جمع تكسير والثاني جمع سلامة ، وقد تقدم الكلام فيها في ( البقرة : 58 ) عند قوله : * ( نغفر لكم خطاياكم ) * وفي ( الأعراف : 161 ) عند قوله : * ( خطيئاتكم ) * . المسألة الثالثة : تمسك أصحابنا في إثبات عذاب القبر بقوله : * ( أغرقوا فأدخلوا ناراً ) * وذلك من وجهين الأول : أن الفاء في قوله : * ( فأدخلوا ناراً ) * تدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق فلا يمكن حملها على عذاب الآخرة ، وإلا بطلت دلالة هذه الفاء الثاني : أنه قال : * ( فأدخلوا ) * على سبيل الإخبار عن الماضي . وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك ، قال مقاتل والكلبي : معناه أنهم سيدخلون في الآخرة ناراً ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لصحة كونه وصدق الوعد به كقوله : * ( ونادى أصحاب النار ) * ( الأعراف : 50 ) * ( ونادى أصحاب الجنة ) * ( الأعراف : 44 ) واعلم أن الذي قالوه ترك للظاهر من غير دليل . فإن قيل : إنما تركنا هذا الظاهر لدليل ، وهو أن من مات في الماء فإنا نشاهده هناك فكيف يمكن أن يقال : إنهم في تلك الساعة أدخلوا ناراً ؟ والجواب : هذا الإشكال إنما جاء لاعتقاد أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل ، وهذا خطأ لما بينا أن هذا الإنسان هو الذي كان موجوداً من أول عمره ، مع أنه كان صغير الجثة في أول عمره ، ثم إن أجزاءه دائماً في التحلل والذوبان ، ومعلوم أن الباقي غير